«لو تران بلو» – مطعم يُعدّ عملاً فنياً متكاملاً
في قلب محطة غار دي ليون الباريسية الصاخبة، يوجد مكان يبدو وكأنه من زمن آخر: «لو تران بلو». فمن يصعد الدرج المؤدي إلى المطعم، يترك وراءه روتين الحياة اليومية في عالم السكك الحديدية الحديثة ويدخل عالم «البيل إيبوك» – تلك الحقبة التي كانت تُعتبر فيها السفر مغامرة فاخرة.
أُنشئ المطعم بمناسبة المعرض العالمي لعام 1900، وافتُتح رسميًّا في عام 1901. وقد صمم المهندس المعماري ماريوس تودوار، الذي صمم أيضًا برج الساعة الشهير في محطة غار دي ليون، مكانًا كان من المفترض أن يكون أكثر بكثير من مجرد مطعم في محطة قطار: مسرحًا للثقافة والأناقة الفرنسيتين. كان اسم المطعم في الأصل «بوفيه غار دي ليون»، ولم يُطلق عليه اسم «لو ترين بلو» إلا في عام 1963 – تكريماً للقطار الفاخر الأسطوري المتجه إلى كوت دازور.
الفن كتجربة سفر
إلا أن المعنى الحقيقي لـ«لو تران بلو» لا يكمن في تاريخه فحسب، بل في مزيجه الفريد بين فن الطهي والهندسة المعمارية والفن. فقد صُمم المطعم ليكون عملاً فنياً متكاملاً. وتعكس القاعات الفخمة، بزخارفها المذهبة وثرياتها الكريستالية ولوحاتها الجدارية الضخمة على الأسقف، الصورة الثقافية التي كانت فرنسا تسعى إلى إظهارها في حوالي عام 1900.
وتُعد اللوحات الـ41 ذات الحجم الكبير، التي تصور مناطق مختلفة من فرنسا – من بروفانس إلى كوت دازور – جديرة بالملاحظة بشكل خاص. كان الهدف من هذه اللوحات هو إثارة شوق المسافرين إلى الجنوب قبل انطلاق رحلتهم. لم يُنظر إلى الفن هنا على أنه مجرد زخرفة، بل كوعد عاطفي بالحرية والرفاهية وحنين السفر.
تعود هذه اللوحات إلى فنانين مشهورين في تلك الحقبة، من بينهم غيوم دوبوف وفرانسوا فلامينغ وإوجين بورنان. وهي تجسد الأسلوب الأكاديمي لفترة «البيل إيبوك» الفرنسية، وتصور المناظر الطبيعية والموانئ والمجتمعات الراقية وأجواء الإضاءة المتوسطية. وقد أدى ذلك إلى إقامة صلة بين ثقافة النقل والفنون التشكيلية — وهو مفهوم كان يُعتبر حديثًا في ذلك الوقت.
«القطار الأزرق» كرمز لعصر «البيل إيبوك»
من الناحية التاريخية الفنية، يُعد مطعم «لو تران بلو» مثالاً بارزاً على حقبة «البيل إيبوك»، تلك الفترة التي امتدت من حوالي عام 1880 وحتى الحرب العالمية الأولى، والتي اتسمت بالتقدم التقني والرفاهية والازدهار الثقافي. وكانت محطات القطار تُعتبر في ذلك الوقت «كاتدرائيات العصر الحديث»، وكانت المطاعم مثل «لو تران بلو» تُجعل من رحلة القطار حدثاً اجتماعياً.
كما يجسد هذا المكان فكرة السفر الفاخر، التي أُضفيت عليها لاحقًا صبغة رومانسية من خلال الأدب والسينما والموضة. وكان فنانون ومثقفون مثل كوكو شانيل وجان كوكتو وسلفادور دالي من بين الضيوف المشهورين في هذا المنزل.
التأثير على السينما والتصميم والفنون المسرحية
أصبح مطعم «لو تران بلو» بمرور العقود رمزاً ثقافياً بحد ذاته. فقد استُخدم المطعم كخلفية في العديد من الأفلام، من بينها فيلمي «نيكيتا» و«بلاس فاندوم». كما ألهمت تصميماته الداخلية الفخمة ديكورات المسرح والصور الفوتوغرافية وعروض الأزياء.
ولا يزال هذا الاسم حياً حتى في تاريخ الرقص: فقد جمعت رقصة الباليه «Le Train Bleu» التي قدمتها فرقة «الباليه الروسي» عام 1924 النخبة الإبداعية في ذلك العصر — مع سيناريو من تأليف جان كوكتو، وأزياء من تصميم كوكو شانيل، وستارة مسرحية من تصميم بابلو بيكاسو. عكست هذه العمل ثقافة الريفييرا الساحرة في عشرينيات القرن الماضي، وجعلت من «القطار الأزرق» رمزًا للأناقة الحديثة بشكل نهائي.
بين المعلم السياحي والتراث الثقافي
تتباين الآراء اليوم حول مطعم «لو تران بلو». يعجب العديد من الزوار بشكل خاص بالهندسة المعمارية الفريدة والأجواء المميزة، في حين تتباين الآراء حول جودة المأكولات. وغالبًا ما يُنصح في منتديات السفر بتناول فنجان قهوة أو مشروب فاتح للشهية هناك على الأقل، للاستمتاع بتصميم المكان الداخلي.
إلا أن أهميته الثقافية لا جدال فيها. فقد تم تصنيف أجزاء كبيرة من المطعم كمعلم تاريخي منذ عام 1972. وبذلك يُعد «لو تران بلو» اليوم من أبرز المساحات الداخلية المحفوظة من عصر «البيل إيبوك» في باريس، وأنا شخصياً أحبه كثيراً. لطالما كان طاقم الخدمة لطيفاً للغاية والطعام جيداً. وأوصي بشكل خاص بتجربة «كريب سوزيت»: إنها تجربة لا تُنسى!
«لو تران بلو» هو أكثر بكثير من مجرد مطعم. إنه نصب تذكاري لثقافة السفر الفرنسية، ومتحف لعصر «البيل إيبوك»، ومثال على كيفية إضفاء الفن لمسة من الرقي على الحياة اليومية. يجمع هذا المكان بين العمارة والرسم والتصميم والتاريخ الاجتماعي ليقدم تجربة فريدة من نوعها. ولهذا السبب بالتحديد، لا يزال «لو تران بلو» حتى اليوم يحظى بأهمية خاصة في تاريخ الفن: فهو يوضح مدى الترابط الوثيق بين الجماليات والتنقل والهوية الثقافية.