مهرجان الحدائق – عندما تتحول المناظر الطبيعية إلى فن
بين الأشجار العتيقة والورود العطرة والتركيبات الفنية المبتكرة، ينشأ كل عام في وادي اللوار مكانٌ تندمج فيه الطبيعة والفن: يُعد «المهرجان الدولي للحدائق» الذي يُقام في «دومين دو شومون-سور-لوار» اليوم أحد أهم مهرجانات الحدائق في أوروبا. منذ عام 1992، يعمل مهندسو المناظر الطبيعية والفنانون والمصممون الدوليون على تحويل هذه المنطقة التاريخية إلى مختبر حي لفن الحدائق المعاصر.
الحديقة كمسرح للخيال
يقع المهرجان على مرتفعات فوق نهر اللوار، محاطاً بالمناظر الرومانسية لقصر شومون-سور-لوار. لكن الأمر هنا لا يقتصر على حدائق القصر الكلاسيكية فحسب. بل إن هناك مساحات حديقة جديدة ومؤقتة تنشأ كل عام، تفسر القضايا الاجتماعية الراهنة بطريقة شاعرية.
تتميز كل دورة بشعار خاص بها. ففي عام 2025، كان الموضوع على سبيل المثال «Il était une fois au jardin» – رحلة خيالية عبر الأساطير والأساطير وعوالم النباتات الخيالية. أما بالنسبة لعام 2026، فقد أعلن المهرجان عن موضوع «Le jardin fait son cinéma»، الذي يربط بين فن الحدائق ولغة السينما.
ولا يقتصر الأمر على مجرد تجول الزوار بين أحواض الزهور والممرات، بل إنهم يتنقلون عبر مساحات سردية مليئة بالرمزية والأجواء الضوئية والمنظورات المفاجئة. تبدو بعض الحدائق وكأنها ديكورات أفلام، بينما تبدو أخرى كمنشآت فلسفية أو مناظر طبيعية سريالية من المنحوتات.
التواصل بين الفن والطبيعة
ما يميز مهرجان «فستيفال دي جاردين» هو إزالة الحدود التقليدية بين هندسة المناظر الطبيعية والنحت والتصميم والفن المعاصر. فهنا تُستخدم النباتات كالألوان، وتُصمم المسارات كخطوط درامية. تعكس المساحات المائية التركيبات الضوئية، وتبدو المنحوتات المعدنية وكأنها تنبت من الأرض، كما تتغير بعض الحدائق بشكل متعمد مع تغير الفصول.
وبذلك، فإن «شومون-سور-لوار» هي أكثر بكثير من مجرد معرض للزهور. يُعتبر هذا المهرجان على الصعيد الدولي ساحةً للتجريب في مجال فن الحدائق الحديث والتفكير المستدام. وتُعنى العديد من المشاريع بالتنوع البيولوجي، وتغير المناخ، أو العلاقة بين الإنسان والطبيعة.
إن الطابع المؤقت لهذا النوع من الفن هو ما يجعله مثيرًا للاهتمام بشكل خاص. فعلى عكس المتحف، فإن الحديقة كائن حي، فهي تنمو وتذبل وتتغير باستمرار. وهنا بالضبط تكمن قوتها العاطفية.
جنة للمصورين
يُعد المهرجان مصدر إلهام استثنائي للمصورين. فالضوء، والأنسجة، والأشكال العضوية، والتناغم بين العمارة والنباتات، كلها عناصر تخلق باستمرار تركيبات تصويرية جديدة. في الصباح الباكر، يغطي الضباب الممرات، وفي الظهيرة تظهر صور ظلية رسومية، وفي المساء يغمر الضوء الذهبي الحدائق في مشاهد تكاد تكون لوحة فنية.
بين الطليعة وفن العيش الفرنسي
إلى جانب الحدائق المؤقتة، يُثير «دومين دو شومون-سور-لوار» إعجاب الزوار بفضل اسطبلاته التاريخية ومعارضه الفنية المعاصرة ومتنزهاته الواسعة المليئة بالمنحوتات. ويجمع المهرجان بأسلوب أنيق بين ثقافة الحدائق الفرنسية والحداثة الطليعية.
من يتجول في أرجاء المرافق لا يستمتع فقط بفن النباتات، بل يعيش تجربة حية: هادئة، حسية، ومليئة بالتفاصيل الجمالية. ولعل السبب وراء الجاذبية العالمية لهذا المهرجان يكمن بالضبط في قدرته على تحويل الطبيعة إلى عاطفة.
يُظهر مهرجان «فستيفال دي جاردين» في شومون-سور-لوار أن الحدائق اليوم يمكن أن تكون أكثر بكثير من مجرد مناظر طبيعية زخرفية. فهي تتحول إلى أماكن للتأمل، وإلى أعمال فنية يمكن التجول فيها، وإلى مرايا تعكس عصرنا. وبين الدقة النباتية والحرية الإبداعية، تنشأ هنا كل عام واحدة من أكثر أشكال الفن المعاصر شاعرية في أوروبا.